الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه ، اكتفاء بتقرير الصواب الذي هدانا اللّه تعالى اليه أما قوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ فقد روي في تفسيره قولان ( أحدهما ) ما رواه ابن جرير عن عبيد بن عمير وأشرنا اليه فيما نقلناه عنه ، ونقلنا مثله عن ابن كثير ، وهو ان هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها هي مما عفا اللّه عنه بسكوته عنه في كتابه وعدم تكليفكم إياه ، فاسكتوا عنه أيضا . وأيدوا هذا القول بحديث أبي ثعلبة الخشني إذ قال ( ص ) « وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها » والجملة على هذا صفة لأشياء كما قال بعضهم ، أو هي استئناف بياني يتضمن تعليل النهي ، وهو يناسب كون النهي عن المسائل المتعلقة بالتشريع ( ثانيهما ) ان معناه عفا اللّه عما كان من مسألتكم قبل النهي فلا يعاقبكم عليها لسعة مغفرته وحلمه ، فهو كقوله فيما يشابه هذا السياق ( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ) وقوله ( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) * ولا مانع عندنا يمنعنا من إرادة المعينين معا . فان كل ما تدل عليه عبارات القرآن من المعاني الحقيقية والمجازية والكنائية يجوز عندنا ان يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعاني أو منفردة ، ما لم يمنع مانع من ذلك كأن تكون تلك المعاني مما لا يمكن اجتماعها شرعا أو عقلا ، فحينئذ لا يصح أن تكون كلها مرادة ، بل يرجح بعضها على بعض بطرق الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية * * * ثم قال تعالى قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي قد سأل هذه المسألة - أي هذا النوع منها - أو هذه المسائل - أي أمثالها - قوم من قبلكم ثم أصبحوا بعد إبدائها لهم كافرين بها ، فان الذين أكثروا السؤال عن الاحكام التشريعية من الأمم قبلكم لم يعملوا بما بين لهم منها ، بل فسقوا عن أمر بهم ، وتركوا شرعهم لاستثقالهم العمل به ، وأدى ذلك إلى استنكاره واستقباحه ، أو إلى جحود كونه من عند اللّه تعالى ، وكل ذلك من الكفر به . والذين سألوا الآيات كقوم صالح لم يؤمنوا بعد اعطائهم إياها بل كفروا واستحقوا الهلاك في الدنيا قبل الآخرة - والاخبار الغيبية كالآيات أو منها - وقد اقتصر ابن جرير في هذه الآية على تفسير المسائل التي سألوها وكفروا بها بالآيات التي يؤيد اللّه بها « تفسير المائدة » « 18 » « الجزء السابع »